بهاء الدين الجندي اليمني

32

السلوك في طبقات العلماء والملوك

أما المذاهب العملية الفقهية والتشريعية والوضعية كالحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأوزاعية والظاهرية ، فمن العراق وإلى العراق منشؤها ونسبتها ومخرجها وإن كانت المالكية نسبة إلى الإمام مالك بن أنس الأصبحي الحميري إمام دار الهجرة كان مبعثها من المدينة المنورة ولكنها لم تتبلور ولم تظهر كثيرا إلا من بغداد ، والأوزاعية نسبة إلى الإمام أبي بكر عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي الحميري فإن منشأها بالشام ثم في بيروت ، لكن المعترك المذاهبي هو العراق ، وقد انقرضت هذه الطائفة كما انقرضت الطائفة الظاهرية المنسوبة إلى محمد بن داود الظاهري البغدادي . وكذلك القول في نشأة العلوم الإسلامية كالتفسير والحديث والنحو والصرف والفلسفة ونحو ذلك من سائر العلوم فإن غالبها إن لم نقل كلها مبعثها من العراق . وطبيعي أن الخلافة العباسية كغيرها ممن سبقها كالأمويّة والخلافة الراشدة كانت ترسل إلى الأقطار الإسلامية بما فيها اليمن - العمال والقضاة والجيوش وفيهم من يحمل هذه العقائد والمذاهب فيحصل التماسّ والعدوي كما هو طبيعي في لقاح الأفكار وتزاوج الآراء وامتزاج هذا بهذا والإنسان بطبيعته يحب أن يكثر أصحابه ويقوى مذهبه . ظلت هذه المذاهب والعقائد مختمرة في رؤوس النابهين ، والأفكار تتفاعل في ما بينها ، ولم تبرز على السطح إلا في القرن الرابع الهجري . وفي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري لم يشعر اليمن إلا بهزة عنيفة وزلزال شديد ألا وهو غزو مسلح بالعقائد من نفس العراق . الأول من شمال اليمن ، ويتمثل في الإمام يحيى بن الحسين العلوي الرسي الذي لقب بالهادي والمتشبع بآراء التشيع والمعتزلة الذي أخذ ذلك عن شيخه أبي القاسم البلخي . والغزو الثاني في قلب اليمن وجنوبه ويتمثل في حسن بن فرج القرمطي وعلي بن الفضل الجدني القادمين من الكوفة ومن نفس العراق بمبادئ وعقائد هدامة . وهذان التياران أو الغزوان هما اللذان عبّر عنهما ابن سمرة في طبقاته في ص 75 بقوله :